الذهبي
مقدمة الكتاب 53
سير أعلام النبلاء
فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته . قال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 ه : " لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة ( 1 ) النقلة بل هو فقيه النظر ، له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات . وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن ، أو ظلام إسناد ، أو طعن في رواته ، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده ( 2 ) . إن هذه البراعة في علم الحديث ، والتمكن منه ذاك التمكن ، جعلت الذهبي ينطلق بعد ذلك يجرح ، ويعدل ، ويفرع ، ويصحح ، ويعلل ، ويستدرك على كبار العلماء ( 3 ) ، " فدخل في كل باب من أبوابه " على حد تعبير تلميذه تاج الدين السبكي ( 4 ) ، حتى أطلق عليه معاصروه " محدث العصر ( 5 ) " . وبلغ اعتراف حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلا الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته ( 6 ) .
--> ( 1 ) الكودنة : البلادة . ( 2 ) " الوافي " 2 / 163 . ( 3 ) الحسيني : " ذيل تذكرة الحفاظ " ص 35 . ( 4 ) " الطبقات الوسطى " ( ترجمة الذهبي من نسخة دار الكتب المصرية رقم 554 ) . ( 5 ) السبكي : " الطبقات " 9 / 100 ، العيني : " عقد الجمان " ورقة 37 ( أحمد الثالث رقم 2911 ) . ( 6 ) استنادا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ماء زمزم لما شرب له " وقد ذكر ذلك تلميذه السخاوي في " الاعلان " ( ص 472 ) . وقديما شرب ابن خزيمة المتوفى سنة 311 ه ماء زمزم وطلب علما نافعا ( الذهبي : تذكرة ، 2 / 721 ) . وقال الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 : " شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف " ( الذهبي : تذكرة ، / 3 / 1044 ) . وألف شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة 953 ه رسالة في " التزام ما لا يلزم فيما ورد في ماء زمزم " منها نسخة في خزانة كتب جستربتي في دبلن ضمن مجموع برقم 3317 .